بالأمس .. وقبل أن يتبين الخط الأبيض من الخط الأسود ..
وقبل أن تسقط حبات الندى من مكامنها.. و بريق اللوز لم يجف بعد من محياها . أستظلت بشجرة الصنوبر العملاقة .. حين فاجئها المطر ..
ايقنت أن أرض الله واحدة .. والموت دون أرض العراق .. شهادة .
بالأمس .. حينما التهم الموت أمي، فجُعت بالخبر اليقين
كانت القيامة في أرض السواد.. كان الكل يبعُث للرماد..
ومن الرماد ينبعث طائر الفينيق، لينثر الورود . ويقرأ معنا سورة الغرباء.
بالأمس، وقبل أن تغمض عينيها وللابــــد لترحل نحو سماوات لاشأن للعابثين على الارض فيها.. وليست لها شأن بهم.. تلمست أم وجدان بأحساسها الفطري الغالب، وهدوءها العجيب ملفوفاً بحب الحياة، وجوه أبناءها واحفادها ..
مسحت غبار السنين عن الاماكن الاليفة .. تجولت بين الدروب لتطرز بالحب واجهات مدينتنا الرمادية القابعة عند جرف بحر الشمال .. والساكنة قسرا على رؤسنا نحن معشر المنفيين المتطلعين دوما نحو دروب الجنوب.
أحتشد الجمع .. وأدميت العيون، ودمعت القلوب لمشوارها الاخير ..
أنسلت من بين الحشد، دون إي ضجيج، دون إي حكايات أو روايات، كما ينساب الماء من بين الاصابع .. لتذهب بعيدا بعيدا .. هناك ..!!
كم هو الموت لئيماً حيث يسرق الاحبة تباعا في أرض قاحلة خرساء ..
الثانية
لللأم نغني..
وللمناضلة ننحني..
ولموتها في المنفى نصلي..
وللأحـلامها في وطن جميل نصفق..
هي خير أم أنجبت من الأبناء ..
هي خير إمراة لها من الحكايات في ساحات الوطن ..
هي خير من بقاياه في هذا المنفى الذي تلفه كآبة الوطن..
يا لها من سعيدة وهي تحتضن أحلام لم تتنازل عنها..
يالها من سعيدة وهي تلوح من شمال الأرض نحو وطن معصوب العينين..
يالها من سعيدة حين تغفو في برد له خرس الناس ..
ما أحزن بلادنا في هذه اللجة التي تلزم الصرخة ..
ما أحزن بلادنا في حلم تكرر بسذاجة الكرامة..
ما أحزننا نيابة عن بلادنا في فقدان أم وجدان..
أصدقاء جمان