almadeh@hotmail.com 2009 - 12 - 20
" المطيّـرجي "
*************
المشهد الاول
***********
يبدأ المشهد ، المطيرجي فوق السطح ويظهر خلف سياجه، وهو يهزّ عصا ( كَصبه ) طويله مربوط بنهايتها قطعة قماش ويصفر . ( الديكور ، قطعتي جدار مرسوم عليها منازل شعبية، تتدلى فوقها بخيوط حمامات من ورق وفي زاوية من المسرح كومة من الازبال ، فوقها وعلى الجدار مكتوب " عاش السيد القائد " ).
( مطيرجي ) اخر في الشارع يلاحق الذباب بقمع قماش مربوط بعصا لصيد الذباب حيـّا ، ويطلق اصوات " كش ...كش .." ، بيده الاخرى مصيدة ذباب بلاستيكية ، ويحمل اكياس ورق مربوطة الى حزام فوق دشداشته الوسخه .
بعد دقائق مطيرجي الذباب ( كَشاش ) ينادي مطيرجي الحمام ( حامد ).
ـ حـامد ... حـامد ... انزل حـامد .
يستمر حامد بالصفير متجاهلا النداء .
ـ شنو أنتـه اطرش ..؟ هاي من كَد ماتصفر صرت أطرش !
ماتنزل عاد مو ضوجتني ، تره أطك حماماتك بالمصياده .
يستجيب حامد للاستفزاز ،
ـ شتريد ابو الذبّـان ماتشوفني مشغول اطير حماماتي .
ـ أيـابه .. مشغول .. اللي يسمعك يكَول مدير مطار .. هــا .. هــــا.. هــا ..
ـ وأنته .. اللي يشوفك حسباله مدير دواجن .. ماتسكت ، ماتسكت .. عاد.
ـ دنزل عاد ، مو انته صارلك من الصبح تصوفر وتكش ، تعال عندي سالفة وياك .
ـ زين صــار .. جايلك بس أحط علف وماي للحمام .
بحركات يصطاد كَشاش ذبابه ويضعها في كيس ويقول :
ـ وين ترحين منـّي ألكَفج .. ألكَفج ، والله لأشبّـع بلابل المحله كلهم .
بعد وقت قصير يظهر حامد خارجا من الدار ( من بين لوحي جدار ) ، بحركه سريعه يغلق انفه ويردد بتذمر :
ـ أف .. أف .. لك هاي شنو هالجيفة ..؟ ، اولاد الكلب هم ذبّـوا زباله يم بيتنه .
ـ لك عيوني مو بس زباله ، وياها جلب ميّـت ( مع قوله يرفع يديه ويهز كتفيه ) .
ـ أويـلي يـابه.. أكَول شنو هاي الريحه اللي واصله للسطح ، لك بس لا حماماتي يتمرضن .
ـ يمعوّد أحسن ، ماتشوف ذبـّاني منشنش وملتم .
ـ لك انته ابو الذبان تضل عيشتك على الزبايل .
ـ إي ماتكَللي وين ألكَى أحسن من هاي الشغله ، أشو ماتحتاج راس مال ، بس شوية تعب ، الذبان والحمد لله متوفر ، والزبايل أبلاش بكل مكان ، ابيع الحي أغلى من الميت ، ماعلي إلا اصيده وافتر على اللي يربون بلابل ، وداعتك حامد ، يركضون من يسمعوني اصيح فـرّح بلبولك ... فـرّح بلبولك ...( يحرك يده وبها كيس ورقي ).
ـ تعال خلـي نكَعد .
يدعوا حامد ، صاحبه للجلوس ويأخذان علبتي صفيح قديمه كانتا مركونتان الى الجدار ويجلسان، ويواصل حامد:
ـ وهاي هم عندك بيها اجازة .
ـ طبعاً بيها اجازة و صلاحية من وزارة الصحة .
الاثنان يضجان بالضحك
ـ هــا ... هــا ... هــا ...
ـ والاكس باير .. خو ماتغش بيه .
ـ لا والله أبيعهن تازه ، خو مو مثل المواد المستورده ، كلهه مغشوشة ، عيني هذا انتاج وطني من المزبله للسوك مباشره .
يقوم كَشاش بحركه سريعة مطاردا ذبابة ، ثم يلتفت الى الجمهور ويشير الى احدهم
ـ عيني وكرت ذبانتي على خشمك بلكي تكشها ... الله يخليك .
ـ ولك ماتركد ... بس تكَمّـز ..ميّـت على الفلوس .
يستدير كَشاش عائدا لمكانه وهو يقول :
ـ عيني يافلوس اللي يسمعك يكَول كَشاش مشتريله دفع رباعي ، اشو عمري كَاضيه على الرينو 11 ( يضرب على احدى قدميه ) حتى رجليّ كَامن يوجعنني من كَد ما افترّ بالدرابين .
ـ كَللي كَشاش انته هم درست بالمدرسة ؟
ـ طبعاً ... طبعاً ... واعرف اكتب شويّـة .. بس مشكلتي ، جان عدنه معلم كلش متصعب وما نجحني من الخامس .
ـ معلم شنو .
ـ معلم تاريخ و وطنية .
ـ وليش يابه مانجّحك ؟
ـ بأمتحان التاريخ سألني , حكومة بغداد أيام هارون الرشيد وين حدودها ، جاوبته من العوجة ... لعلي الشرجي ، جان يجيبني براشدي .
ـ وبألوطنية شنو سألك ؟
ـ سألني إبيش صار برميل النفط ؟ جاوبته ما أدري لأن أمي تشتري تنكه كل راس شهر ، وجابني براشدي ثاني !
ـ هــا ... هـا ... هــا ... طبعاً يرسبك !
ـ بس هو وين يروح لازم فد يوم أكَاومه ، جاب إلنه اسئلة كلهه خارجيه .
ـ لاتدير بال يمعوّد أكو ألله ... تره سالفتك أسهل من سالفتي
ـ وشنو سالفتك ؟
ـ شوف .. آنه مخلـّص معهد النفط وماعندي شغل ( يمط العبارة ويقولها بألم وحسرة ويواصل ) وهل تشوف ملهي نفسي بهواية الطيور .
( ثم يرفع حامد رأسه مبدياً محبته واعجابه بالحمام ويواصل ) الله شكد حلوات من يلعبن بالسمه !
يسأله كشاش :
ـ ليش ماتبيع نفط بالعربانه ؟
ـ شلــــــون ؟!
ـ إي .. بيع نفط ماينرادلك غير عربانه وحمار
ـ لك لا .. انته شكَد اثول .. يعني شغلتي بالشركات إللي تحفر الكَاع وتطلـّع نفط .
ـ لعد ليش ماتشتغل وياهم ؟
ـ ماكو تعيين ، لو حتى أتعيّن هو شكَد الراتب .. تلاتالاف دينار، مايكفي حتى كروة الروحة للشغل !
ـ أكَـلـّك .. أخاف ما ديلكَون نفط ؟
ـ لك إنته ماتعرف ... بالعراق هسه لو يحفرون جوّه كوم الزباله هاي يطلع نفط .. !
( يهمس متلفتاً ) إحنه طايح حظنه .. ! العراق يسبح على بحيرة نفط وإحنه عايشين بالخيسه ؟! وحضرتــــك فرحان .. تبيع ذبان !
ـ لعد ليش مزبان ابو النفط عينوه بالشركه ؟
يجيب حامد هامساً بأذنه :
ـ عيـّنوه من لبَس زيتوني !
ـ يمعوّد لحـّد يسمعك ، صار الحجي ثخين ، أكَوم أروح على باب ألله أحسن لي .
ـ حقـّك مو هالايام حتى الذبـّان كَام يتسنــّـط !
يرفع حامد رأسه للسماء ويبدأ بالصفير وينسحب الى بيته.
يضع كَشاش آلتي الصيد بحزامه ثم يمسك بكيسين ورقيين ، ويتحرك على المسرح ( ممكن أن ينزل أمام المسرح ) وهو يصيح :
ـ فرّح بلبولك ... فرح بلبولك ... فرح بلبولك ... ذبّـان حي وميّت .. فرح بلبولك ..
أنتهى المشهد الاول .
ألمشهد الثاني
***********
طاولة فخمة مع كرسي فخم في الوسط ، لوح كتب عليه " السيد المدير العام " وادوات مكتب على الطاولة . خلف الكرسي، لوحة معلقة كتب عليها " هذا من فضل ربي " .
يجلس على الكرسي ( كَشاش ) السيد المدير العام ( أمين المؤمن ) ، يلبس بدلة ( القاط ) وربطة عنق ، ويظهر عليه الاعتداد بالنفس والزهو بمظهره ، يقلب اوراق امامه .
يظهر ( حامد ) من زاوية المسرح ويقف ووجهه للجمهور يتمتم مع نفسه بالدعاء وهو رافع يديه الى السماء :
ـ " ياربي عونك ... خلصنه من ظيم صدام .. بلكي بعد التغيير أحصل على شغل ، ياربي اهديهم ونجحني بالمقابلة ، ياما عانيت طول هاي السنين ، حتى زواج ماكَدرت اتزوّج
( بحسرة عميقه ) إيـــه ... الله يفرجهه ... الله ماينسه عبده ! "
دون أن يرفع المدير رأسه ينادي :
ـ المراجع اللي بعده ... يبدو اليوم ماراح نخلص من المراجعين ، طلبنه واحد قدموا ثلاثميه !
قبل أن يدخل حامد للغرفة يقول :
ـ الحمد لله وصل دوري صارلي اربع ساعات انتظر ، فرجت انشألله !
يتقدم حامد ببطء ، وعندما تقع عينيه على وجه المدير يتفاجأ ويصاب بالدهشه وعدم تصديق
عينيه فيفركهما ويحدق من جديد ويقول مع نفسه ملتفتاً للجمهور :
ـ " شنو آنه حلمان ، هذا مو أبو ألذ... " ويحرك إحدى يديه وكأنه يحمل كيساً ورقياً .
بعد لحظة يرفع المدير رأسه ، وعندما يشاهد حامد امامه ، يصاب بأرتباك فيحاول تلافي ذلك بتصنعه بتقليب الاوراق .
ـ مرحبه ..كَشاش ...!
لايجيب المدير ويواصل تقليب الاوراق ، وهنا يرن موبايل المدير فيجيب :
ـ السلام ورحمة الله وبركاته ..السيد الوزير .. اهلا .. اهلا .. استاد آنه بالخدمة .. تفضل أستاد
نعم .. نعم .. إي استاد اطمئن ، آنه متابع الموضوع شخصياً .. المشروع احلناه الى الشركة الاهلية اللي وصيت بيهه ، والحجّي مدير الشركة مو غريب وكلش خوش ادمي .. تصور سوالنه عزيمة تدوّخ وايده ماقصرت .. هـه .. هـه .. استاد جان مكانك خالي .. انشالله على الجايّـات .. اهلا بيك استاد ... مع السلامة .. مع السلامة استاد .
يواصل المدير انشغاله المفتعل بالاوراق ، ويقترب حامد خطوة اخرى ويقول:
ـ كًشاش .. .. شنو ماعرفتني.. ؟ آنه حامد أبن محلتك !
المدير منفعلاً :
ـ هاي ويامن تحجي .. منو .. كَشاش هذا .. ؟!
حامد يصمت مذهولاً ولايحرك ساكناً .
ـ جاي تقدم طلب وظيفة ، وماتعرف تقرا.. قطعة شكبرها بالباب ، الســيد المديـــر العــام
" الدكتور أميـــن المؤمـــن " ... منو .. كَشاش هذا ؟!
ـ العفو استاذ ... بس آنه شبهتك بصديق قديم جان ساكن محلتنا ويبيع ذ... .
يقاطعه المدير منزعجاً وبحزم :
ـ شنو صديق ... آنه ما أعرفك .. وأول مرة أشوفك !
ـ العفو استاذ ..!
بلهجة وحركات اعتداد يواصل المدير :
ـ لازم تعرف ويامن تحجي ... أنه صارلي خمسطعش سنه بالخارج ، ودرســـت وتعبــــت وحصلت على شهادة الدكتوراه بمادة " اهمية الحشرات في انعاش الاقتصاد العراقي " ومرشح لمنصب هام وانته تكَلّي ...
ـ أرجوك تسامحني استاذ .. ومبروك على الشهادة ، وأوعدك آنه أول من يصوت إلك .
و بلهجة أقل إنفعالاً يقول المدير :
ـ إي أخي انته متوهم ، ومايصير تشبهني بواحد ما أدري شنو يبيع !
المهم هسه انته شنو تريد ؟
ـ استاذ .. آنه خريج معهد النفط ، وصارلي عشرين سنه بدون عمل ، وسمعت عدكم وظائف شاغرة وقدّمت .
ـ ماعندك شهادة دكتوراه .. ماجستير ... فد شي ... ؟ ( بلهجة يشير الى دفع رشوة )
حامد لايدرك الاشارة الخفية ويسأل :
ـ استاذ .. شنو فد شي ؟
يغير المدير لهجته عندما يلاحظ أن حامد لم يدرك اشارته
ـ اقصد ... يعني اذا عندك خبرة بمجال اختصاص دائرتنه
ـ لا استاذ .. بس شهادة معهد النفط
بلهجة توحي بالحزم والضيق يوجه المدير كلامه لحامد
ـ أخي شنو معهد نفط .. وشنو علاقة دائرتي بالنفط ؟
ـ يعني بلكي موظف بأي شغلة ادارية !
ـ أخي مايصير ..
ـ أستاذ مروتك ، بلكي تمشيهه إلي !
ـ كَتلك مايصير دائرتنه شغلتهه ، تطوير الدواجن الخاصة بالحشرات ، واستيراد المواد المطلوبه من احدى دول الجوار الصديقة ، ماتكَللي وين أعينك ؟ ( وبصوت أخفظ وبطريقة فيها مغزى يواصل ) بعدين لازم تعرف ، التعيين ينرادله تزكية من احد الاحزاب ، هي قابل لعب جعاب ، هاي مسؤولية..!
ـ استاذ شنو علاقة الاحزاب بالتعيين ؟!
ـ شلون مالهه علاقة .. دولتنه تديرهه الاحزاب والاحزاب تعين الوزراء والمدراء وغيرهم !
ـ قصدك لازم اكون منتمي لواحد من هاي الاحزاب حتى احصل على تزكية ؟!
ـ طبعا ..
ـ والمايريد ينتمي شلون ؟!
ـ اله الله ..
ـ صحيح الي الله ..!
ينسحب حامد خائباً حزيناً بأتجاه الباب ، يدير وجهه للجمهور ويتمتم :
" هم ردينه على نفس القوانه العتيكَه ، بس هذا إذا ماطلع كَشاش أبو الذبان ، أكص ركَبتي ، وجماله مرشح ، أكيد اللي يصوتله جاهل .. ابن جاهل ومتخلف مثله "
وقبل أن يخرج يحرك يده وكأنه يحمل كيس و يصيح :
ـ فــرّ ح ...
ينتفظ المدير من كرسيه صارخاً:
ـ إطلع ...
ينتهي المشهد.
* بيع الذباب ( مهنة ) ظهرت في فترة الحصار ، وهي تجسد بقوة الحالة المأساوية التي وصل اليها الشعب العراقي في عهد " القائد المنتصر " !؟
* دعوة للمخرجين المسرحيين :
اذا قدمت المسرحية في المحافظات العراقية وفي نهاية شباط 2010 ستساهم بالتأكيد في تعرية و الحد من وصول العناصر الغير كفوءة و الانتهازية الى مواقع السلطة ، وهذه مهمة جميع العراقيين الوطنيين المخلصين .