Svenska


يا شراعا وراء دجلة يجري!
01/03/2010
إبراهيم أحمد

في عام 1931 تلقى المغني المصري محمد عبد الوهاب دعوة لزيارة بغداد، كان مريضاً، فنصحه الشاعر الكبير أحمد شوقي بعدم السفر، لكنه أصر، فنظم له قصيدة خاصة دعا فيها لصديقه وشراعه الأثير الراكض وراء دجلة بالسلامة، كانت الكلمات تحمل توافقاً مدهشاً، بين مرض عبد الوهاب الذي شفي منه، وعاش بعده عمراً مديداَ، وبين مرض شراع دجلة الآخر الكبير الذي لم يشف منه حتى الآن!
اغترف عبد الوهاب من وادي الرافدين ألحاناً ومقامات حزينة ظلت تظهر حتى في أغانيه المتقدمة، وفي حديقة معرض بغداد غنى (بين يدي صاحب الجلالة الملك فيصل الأول، في حفل بهيج مهيب):
يا شراعاً وراء دجلة يجري
في دموعي تجنبتك العوادي
سر على الماء كالمسيح رويداًً
واجر في اليم كالشعاع الهادي
وأت قاعاً كرفرف الخلد طيبا
أو كفردوسه بشاشة وادي
قف! تمهل! وخذ أماناً لقلبي
من عيون المها وراء السواد
.... أمة تنشئ الحياة وتبني
كبناء الأبوة الأمجاد
ربما كان فيصل حين سمع: (أمة تنشئ الحياة وتبنى) قد شرد بفكره عن الأغنية، متفكراً بهذه الأمة التي لا يراها سوى شظايا ومزق متصارعة. كان حوله قادة السنة يريدونه لهم وحدهم مستبشرين أن الآخرين أداروا له ظهورهم. وأئمة الشيعة لا يريدونه حتى لو أثبت لهم نسبه العلوي، فهم ينتظرون إمامهم المعصوم المختفي منذ مئات السنين. وقادة الكرد لا يريدون دولته، بل دولتهم الخاصة! كان متحيراً موزعاً بين هؤلاء وبين الإنجليز. كلما قلب أفكاره لا يجد من يعتمد عليه لبناء الدولة الحديثة التي يحلم بها خيمة حديثة لهذه الأمة البدوية التي آن لها أن تحط الرحال، ولا تبقى مصرة على الغزوات ورحلة الشتاء والصيف، كان يحس أن مشروعه الحضاري طريق آلام ونكبات طويل سيودي بعائلته ومن ناصرها وبأناس كثيرين معهم إلى قبور مستعجلة. يصعب تصوره أنه قد انتشى بالأغنية التي انتهت بـ(أعظم بفيصل والبلادٍِ!)
في بغداد وفي مطلع شبابي، كنت كلما استمعت لهذه الأغنية أحس برهبة غامضة، وشجن لا يخلو من دفء وعذوبة. شغلتنا السياسة، وعصفت بنا، ووجدتني في عام 1979 شريداً في بيروت، ومن بائع أشرطة في عربة قريباً من رصيف الجامعة الأمريكية اشتريت شريط هذه الأغنية، وحين وضعته في جيبي، أحسست أن بغداد عادت لصيقة قلبي.
وشراعها العالي الكبير عاد شراعي حتى لو قادني لبحار الموت، لكني حين حللت في الجزائر لم أعد أستطيع مواصلة الاستماع للأغنية، صار الشجن حرقة في الحنجرة، وبكاءً مخنوقاً في القلب، وغضباً منكفئاً في الجسد، الأغنية تقول: (تجنبتك العوادي)، وحاكم بغداد لم يعد فيصل الأول، ولا واحداً من مريديه، بل جزار استجلب لها صواريخ الخميني، تتفجر بين بيوتها وأهلها ومعالمها العريقة!
طويت الأغنية، لكنها ظلت، قصيدة عاصية في الروح، حمامة مذعورة في عشها، وتتنقل معي في كل المنافي التي جبتها لثلاثين عاما: الجزائر، دمشق، براغ، موسكو، بودابست، السويد وغيرها! كيف ألقي شراع بغداد ورائي؟ كيف أدع المركب يتهادى على دجلة دون أن أحشر نفسي بين ركابه، حتى لو أراد بعضهم يوماً إلقائي في الموج واللجة الفائرة؟
سقط صدام واستطعت سماع الأغنية، عاد الشراع يأخذ قلبي فيتبعه كسمكة صغيرة تلاحق في مائها قطعة شمس، وعدت إليه بجسدي وروحي كليهما، أردت أن أكون في أمة تنشئ الحياة وتبني!
لم أجد شراعاً وراء دجلة يجري، وجدت دجلة وقد صار ساقية آسنة تتكوم على ضفتيه أزبال وأوساخ وركام حرب!
صارت الأغنية فجأة أنيناً على شفتي المتيبستين!
قلت هذا حال مؤقت، بغداد ستبني نفسها، تحيل الخرائب والأنقاض والنخيل المحروق جنائن وبيوتاً سعيدة، والشراع سينهض من الدموع ويراقص الأفق الذهبي!
سنوات وأنا أجد العذر لليد التي لا تبني، باليد التي تهدم وتخرب وتقتل الناس وترهبهم، صارت لي جنايتي الخاصة، أرى دجلة وقد صار ثعباناً ساماً يتلوى بين رمال صحراء وهجير! وأن: يا شراعاً!
أرى بغداد تأكل نفسها، تهدم روحها ببلادة، تحيل شراعها الأبيض الجميل إلى كفن لأهلها ثم تبتلعهم في جوفها: يا شراعاً!
وتتوالى الضربات:
يسرقون تمثال عبد المحسن السعدون، هذا واحد من رفاق فيصلٍٍ والبلاد، انتحر بعد أن بلغت به الكآبة من أجل بغداد منتهاها، رصاصة تصل الرأس دون أن تمر بفوهة المسدس، من فوهة القلب مباشرة!
واليوم يكافئه من انتحر من أجلهم بقلع نصبه، ليس من أجل بيعه في سوق الصفافير كما ادعوا، بل لمحو ذاكرة بغداد من فيصل والبلاد!
ويهدمون تمثال أبي جعفر المنصور، لم يجرأوا على تبني ذلك، نسبوه لمجهول: واسمع مواطناً بسيطاً يتساءل من إحدى الفضائيات:
هل أبو جعفر المنصور بعثيٌ؟
وقبل أيام هدموا تمثال (اللقاء) ربما لم يكن راقياً جداً، لكنه أفضل من جدار، أفضل من حاجز كونكريتي، ويسأل المواطن نفسه: إذا كانوا يكرهون لقاء صدام، لم لا يجعلونه لقاء الشيعة بالسنة، بعد أن حاولوا شقهم وزجهم في حرب وقتال، وفشلوا؟
ويحدثني صديقي المخرج السينمائي الكبير قاسم حول انه ذهل من روعة نصب الشهيد، الذي يضم اسماء شهداء ذادوا عن الوطن في حرب بدأها صدام وأطالها الخميني لثماني سنوات، وقد صدم حين وجد مؤسسة الشهيد الحالية تريد ازالة مقولات الدكتاتور التي وضعها إلى جانب أسماء الشهداء المدونة على جدران النصب مما يشوه تصميمه ورونقه ويتنافي ونظم الذاكرة الإنسانية التي أقرتها المؤتمرات الدولية وتبنتها منظمة الثقافة والعلوم في الأمم المتحدة. فاقترح عليهم أن تبقى مقولات الدكتاتور ويصار إلى إنتاج شريط مرئي طوله بضعة ثوان بالأبعاد الثلاثة يصور خروج الشهداء بطريقة فنية ضمن لحن كورالي موسيقي بكلمات مؤداة تعبر عن كونهم ضحايا حروب أودت بحياتهم وحياة الوطن وأمام هذه المحاكمة البصرية يتهاوى ويتلاشى تمثال الدكتاتور وهذه السيمفونية الصوتية البصرية تظهر على الشاشة كلما فتح باب جدارات الشهداء وهي تلغي بالضرورة مقولات الدكتاتور.
لكنهم لم يصغوا لذلك، بينما في عام 1966 حرض أحدهم لإزالة نصب الحرية لجواد سليم في مقال بصحيفة الجمهورية العراقية يدعي فيه ان النصب ينتمي إلى الفن التجريدي وانه فن دخيل مستوحى من الغرب. فكتب قاسم حول مقالة في صحيفة الخليج التي كانت تصدر في البصرة وكان يرأس تحريرها الصحفي المرموق سجاد الغازي، أوضح فيه بأن الفن التجريدي التعبيري هو فن إسلامي لأن فكرة التجريد في الرسم والنحت جاءت إسلاميا كبديل عن فكرة تحريم رسم الشخصيات الإنسانية ونحتها فسمعت السلطة آنذاك نداء العقل وأوقفت تلك المحاولة.
لكنهم قبل أيام أزالوا تمثال الأم لخالد الرحال بحجة أنه مثير جنسياً!
والبارحة أصدرت مجموعة من المثقفين نداءً طالبوا فيه رؤساء السلطات الثلاث بالتدخل لإنقاذ معالم بغداد التراثية والأثرية ومقاهيها القديمة في شارع الرشيد من الهدم والإزالة بدعوى أن يبنى مكانها عمارات حديثة، ولم يجبهم أحد.
فالحكام مشغولون في المعارك الانتخابية ومنازلة طواحين الهواء!
مضى التاريخ عكس الأغنية ولم تتجنب العوادي بغداد، ضربتها في القلب، بأيدي رجال من أهلها! أناس ليتهم يكتفون أنهم لا يبنون، رغم كل ما يأخذون، ولكنهم يصرون على الهدم والخراب، واقتلاع ما بني وصار وجدان الناس وذاكرتهم؟
منذ ذلك اليوم الأغبر، 14 تموز 1958 ، طويت أغنية يا شراعاً في الإذاعة، لم تعد تذكر، ليس فقط لأنها تشيد بفيصل والبلاد، بل لأنه لم تعد هناك أمة تنشئ الحياة وتبني.
بل عساكر يتعاركون، يدبرون لبعضهم المؤامرات والانقلابات والمكائد، وأحزاب تتصارع على الأكاذيب والأوهام، حروب أهلية وحروب خارجية.
واليوم هي ذات الصراعات فقط كثرت فيها العمائم وقلت الخوذ العسكرية، تنحت فيها رشاشات ومدافع العسكر وتقدمت فيها الصناديق الانتخابية، وقد أخذ الصراخ حولها يمنحها رهبة حنوك الدبابات، وأنيابها الحديدية!
لا عتب على باعة الأشرطة إذا لم يعرضوا في دكاكينهم أو بسطاتهم أغنية يا شراعاً، فهم طبعاً لا يعرفونها: ولا ألومهم إذا حاولوا مسح ذاكرتنا بأغنية ( يالبرتقالة) أو (عدنا درج عدكم درج، نصعد ومن الله الفرج) إنهم طيبون، يريدون مساعدتنا على النسيان، ولئم جراحنا، ما ذنبهم؟ إذا ظل بيننا حتى اليوم من يصر على أن هناك: شراعاً وراء دجلة يجري؟
* كاتب عراقي مقيم في السويد

 
 
 
© 2007 irak-k-k.org All rights reserved

Designed by Computer2004.nl
Hosted by Nouras