Svenska


دولة القانون و حل البرلمان....!
حازم الحسوني
 
حازم الحسوني
لا يخفى على كل متابع للشأن السياسي العراقي مدى استعصاء الحالة السياسية العراقية، والدرجة التي وصلت لها من أزمات متوالية، بسبب البناء السياسي المشوه للدولة العراقية، الذي استند على مبدأ المحاصصة الطائفية القومية البغيض، وبسبب الصراع على السلطة والنفوذ والكسب السياسي الرخيص بدوافع حزبية ضيقة محضة، لقوى تعكزت على مفاهيم الطائفة والمذهب والقومية بخداع الناس البسطاء، حققوا من خلالها طموحهم في الوصول إلى السلطة والحكم والتحكم بمصائر البلد.
اليوم وصلت الحالة السياسية إلى صراع مكشوف قد يكون ليس بجديد، ما بين قوى تدعو إلى التمسك والتشبث بالسلطة، وبأي طريقة كانت بغض النظر عن النتائج، وبين قوى سياسية (بعضها مشارك ومتنفذ في السلطة نفسها) وأخرى سياسية جماهيرية غير مشاركة بالسلطة، تستشعر الخطر من بداية لدكتاتورية جديدة يقودها رئيس الوزراء مستغلاً كل الإمكانيات التي توفرها الدولة. هنا جاءت الطروحات السياسية الأخيرة لدولة القانون بعد اجتماع أربيل الأخير، وما نتج عنه من رسالة موجهة لرئيس الوزراء والتحالف الوطني بوضع حد لتطلعات السيد المالكي الفردية، وضرورة التزامه باتفاقية أربيل الذي تمخضت عنها الوزارة الحالية نفسها.
ندرك تماماً أن تشكيل هذه الوزارة جاء نتيجة ً لاتفاقية أربيل التي كانت بضغط إيراني أمريكي مزدوج ( لكل منهما مصالحه الخاصة التي باتت معروفة). لكن الآن الظروف بتقديري قد تغيرت خصوصاً بعد إعلان انسحاب قوات الاحتلال في كانون الأول الماضي، وبعد الرسالة الواضحة لإدارة اوباما التي أطلقها السيد مسعود البرزاني بعد زيارته الأخيرة لواشنطن حين قالت (ليس لدينا مانع من أي تغير في العراق والحكومة العراقية). لابد من التذكير إلى أن إدارة اوباما نفسها سبق أن أعطت السيد المالكي يوم 14 كانون الأول الماضي أثناء زيارته لواشنطن، الطُعم حين أكثرت المديح به، فقال اوباما حينها (أثبت لنا السيد المالكي بأنه أجدر من يتصدى للمطامع الإيرانية في العراق!!!)، فهكذا بلع الطُعم بوعي أو دون وعي!، وبدأ بعدها بفتح الجبهات على معارضيه أو خلق غيرهم، لسبب ما أو لإدعاء ما آخر قد يكون صحيحاً أو مشكوكاً به، يأتي أثناء منهجية اختلاق الأعداء وإيهام الرأي العام، والتنصل من المسؤولية وتبرئة الذات!، مستغلاً أجهزة الدولة المتنوعة بكل بساطة كي يتمركز بهيمنته على مفاصل الدولة المختلفة.
اليوم خرج لنا المتحدثون باسم دولة القانون بمطلب جديد يدعو إلى حل البرلمان، والعمل على إجراء انتخابات مبكرة!، كخطوة تكتيكية الواضح عليها الارتباك، تجنباً للحراك الجديد الذي حصل في أربيل وفي داخل أروقة التحالف الوطني نفسه الهادف لسحب الثقة من السيد المالكي وحكومته.
لماذا تطرح الآن دولة القانون هذا المطلب ولماذا تخشى سحب الثقة؟
المعروف أن مطلب إجراء انتخابات مبكرة، مطلب ليس بجديد سبق أن طرحهُ الحزب الشيوعي العراقي، وتبنتهُ قوى سياسية أخرى فيما بعد، عندما وصلت حدة الخلافات بين القوى المتنفذة إلى حالة خطيرة تهدد استقرار البلد، وتفتح الباب على مصراعيه، محذراً من كل الاحتمالات السيئة المتوقعة أو تلك التي يمهد طريق حصولها، ومنها الانقلاب العسكري أو تدخل خارجي، أو إشاعة الفوضى الداخلية باستغلال أوراق الطائفية، أو الدعوة إلى حل البرلمان وتجميد الدستور، أو حتى تمركز السلطة، ومحاولات نشؤ دكتاتور جديد.
المطلب الأخير لدولة القانون بحل البرلمان سيكون فارغا، وخطيراً بنفس الوقت، وبمثابة خداع غرضه التضليل وإشغال الرأي العام. أما مطلب إعادة الانتخابات لدولة القانون فلا قيمة له، بدون إعادة النظر بمفوضية الانتخابات، وتركيب هيكلتها من جديد باختيار أعضائها على أسس وطنية مستقلة بعيدة عن المحاصصة البغيضة، ودون قانون جديد للانتخابات، وإصدار قانون للأحزاب، وإصدار قانون التعداد السكاني للعراق وتنفيذه، فمن غير المعقول أن يستمر إجراء انتخابات في العراق، وتوضع أي خطط للتنمية البشرية والاقتصادية دون معرفة عدد سكان العراق أن كان في الداخل أو في الخارج.
الواضح بأن تحالف دولة القانون لا يريد ولا يسعى ولا يساهم بتشريع هذه القوانين وبالتالي دعواته بحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، ينبغي التحذير منها وكشف نواياها. تحالف دولة القانون يحاول من خلال هذا الطروحات، كسب الوقت من جهة، ويدرك أيضاً بأن حل البرلمان ليس بالأمر السهل توفره حالياً خصوصاً بعد أن بدأت العطلة التشريعية يوم 7 أيار ولغاية 13 حزيران القادم من جهة أخرى.
حل البرلمان يعني الدعوة إلى انتخابات جديدة على ذات الأسس القائمة الآن!!، ويعني أيضاً تغييب الرقابة على الأداء الحكومي، وعلى آلية صرف أموال الدولة ومردودات الموارد النفطية، وأيضاً المسعى لفرض الأحكام العرفية بغياب القانون والبرلمان، بحجة السيطرة على الوضع الأمني واستخدام الصلاحيات الدستورية للقائد العام للقوات المسلحة.
مفوضية الانتخابات انتهت صلاحيتها وتم تمديدها ثلاث أشهر أي لنهاية شهر تموز القادم، فكيف عند حل البرلمان سيتم انتخاب مفوضية جديدة؟. في هذه الحالة ستكون هناك تبعات منها، تأجيل أو إلغاء انتخابات مجالس المحافظات بداية العام الجديد، وقبلها انتخابات محافظات كوردستان في شهر أيلول القادم، المتوقع تأجيلها أيضاً، بحكم عدم وجود برلمان ولا مفوضية ولا تعديل لقانون مجالس المحافظات الواجب تعديله كذلك، وبالتالي ستكون النتيجة محاولة البقاء بالسلطة إلى نهاية هذه المرحلة الانتخابية لعام 2014، وعندها لكل حادث حديث! .
حل البرلمان دستورياً، والدعوة إلى انتخابات جديدة، و وفق المادة 64 أولا:
يُحل مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بناءً على طلبٍ من ثلث أعضائه، أو طلب من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية، ولا يجوز حل المجلس في أثناء مدة استجواب رئيس مجلس الوزراء.
أن تمعنا بهذه المادة الدستورية سنجد:
أولاً: بالإمكان تحقيق نسبة ثلث أعضاء مجلس النواب بطلب حل البرلمان، أو بناء على طلب من رئيس مجلس الوزراء كما تريد دولة القانون، هنا كما يبدو تعول دولة القانون على بعض الأصوات البرلمانية المؤيدة، أو على موافقة نائب رئيس الجمهورية خضير الخزاعي(ولو من الناحية الشكلية)، حال اعتذار الطالباني عن ذلك، ولكن تحالف دولة القانون يعرف جيداً، بأنه لدينا الآن رئيس جمهورية وليس مجلس للرئاسة، وخضير الخزاعي ليس مخوّلاً بالتوقيع بدل رئيس الجمهورية في كل الأشياء. إذن هذا الأمر لن يمر بسهولة لاسيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار عدم موافقة التيار الصدري والمجلس الأعلى على حل البرلمان إضافة للعراقية والكوردستانية.
ثانياً: لو نفترض موافقة رئيس الجمهورية (الطالباني) على طلب رئيس الوزراء، وكما نعرف بأن الطالباني هو منسجم مع اتفاق أربيل الأخير، وان لم يوقع عليه. عندها يكون رئيس الجمهورية مُلزماً(هذا إحراج وعرقلة ضمناً) بعد موافقة مجلس النواب على حل البرلمان دستورياً وفق الفقرة ثانياً من نفس المادة 64: بالدعوة (إلى انتخابات جديدة خلال ستون يوماً من تاريخ الحل، ويعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مستقيلاً، ويواصل تصريف الأمور).
ثالثاً: تتطلب هذه العملية استجواب رئيس الوزراء للبرلمان في جلسة خاصة أو أكثر، تُطرح بها كل الاعتراضات، وبنفس الوقت السماع للإجابات( هذه تستغرق أوقات إضافية وربما أشهر)، وبعد اقتناع البرلمان بحل الحكومة( بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاءه) أن حصل هذا، (التعويل هنا واضح على تماسك التحالف الوطني كعدد أعضاء وبضغط إيراني متوقع بحجة مصلحة المذهب والطائفة)، عندها سيتم رفع توصية إلى رئيس الجمهورية!، لاتخاذ الخطوات اللاحقة في الفقرة ثانياً من نفس المادة المشار لها أعلاه، وهذا لن يتحقق.
أذن ما يريده تحالف دولة القانون ورئيسها، هو مناورة سياسية، لكسب الوقت والمماطلة للبقاء طيلة الفترة الانتخابية المتبقية عبر مطلب حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، للظهور بمظهر الحريص على العملية السياسية الهادف إلى تخليصها من المحاصصة، وحكومة الشراكة المعرقلة لبرامجه !!، بغية الوصول في الأخير لفرض الأمر الواقع باستمرار حالة الشللية بالوضع السياسي وصولاً لإجراء انتخابات جديدة دون تغير على قوانينها، تضمن حكم الأغلبية (الطائفية هنا وليست السياسية) بدلها.
أما مطلب سحب الثقة من رئيس الوزراء الذي تتبناه القوى والشخصيات التي اجتمعت في أربيل، قد يكون ممكن تحقيقه دون الحاجة إلى اللجوء إلى حل البرلمان، وانتخابات مبكرة (بشرط التزام التيار الصدري برسالة أربيل الأخيرة، التي بعثها إلى التحالف الوطني)، بتكليف شخص آخر(المرجح من التيار الصدري ضمن هذه الطبخة السياسية) من داخل التحالف الوطني كأكبر قائمة انتخابية، تمت الموافقة علية من قبل هذه الشخصيات والقوى التي اجتمعت في أربيل، ويصوت عليه برلمانياً بعد تحقيق الغالبية المطلقة استنادا إلى تفعيل المواد الدستورية 61 ثامناً في الفقرة باءـ 1ـ2 3ـ، وبقية المواد جـ و د من نفس المادة، المتعلقة بسحب الثقة، ولكن في أطار زمني محدد لا يتجاوز ثلاثين يوماً وفقاً لأحكام المادة 76 من الدستور.
فهذا المطلب الأخير هو الذي تتخوف منه دولة القانون وخصوصاً بعد حصول الحراك داخل التحالف الوطني بموافقة التيار الصدري الذي يعتبر المالكي غريمه السياسي، وبوجود تلميحات من المجلس الأعلى الذي يعاني هو الآخر من تهميش المالكي لهُ كثيراً في الحكومة الحالية، والتلويح باستعداد اصطفافه مع المجتمعين في أربيل.
هذا الواقع الجديد يدفع المالكي ودولة القانون للشعور بالخطر الذي يصعب تطويقه دون استخدام الضغط الإيراني واستهلاك الخطاب الطائفي والمظلومة التاريخية، وعودة البعثية، أو بحجة الاحتكام إلى الدستور كاستهلاك إعلامي، أو التخويف بخلق أعداء جديدة مناهضة لهُ يخيف بها بسطاء الناس، ومنها العَلمانية، والحداثوية، واليسارية، وما شابه ذلك من خزين المفردات التي تؤرقه، سعياً للبقاء في السلطة .
يبقى مطلب الدعوة إلى انتخابات مبكرة، هو الأقرب للواقعية دون غيره، ولكن ينبغي قبلها تعديل وإصدار قوانين مهمة تم ذكرها في أعلاه، لأنه لا يمكن لهذه القوانين أن تُنجز بحل البرلمان، وحتى عند التلويح بسحب الثقة عند البعض، ينبغي الالتزام أيضاً بتغير هذه القوانين وتشريع بعضها. أما الدعوة إلى حل البرلمان، وانتخابات مبكرة كما يريد تحالف دولة القانون، فأنها خدعة ينبغي أن لا تنطلي على الناس.
11ـ 05ـ 2012

 
 
 
© 2007 irak-k-k.org All rights reserved

Designed by Computer2004.nl
Hosted by Nouras