Svenska


في الذكرى الرابعة والستين لنكبة فلسطين الحلقة الثالثة 3/3
تطورات الحرب، وقرار بتقسيم فلسطين
حامد الحمداني


19/5/2012
إعلان الهدنة الأولى في فلسطين
سارعت الولايات المتحدة إلى دعوة مجلس الأمن الدولي إلى الاجتماع، بدعوى أن الوضع في الشرق الأوسط يهدد الأمن والسلام الدوليين!، واستطاعت استصدار قرار من المجلس يقضي بوقف القتال بين الطرفين، وإرسال الوسيط الدولي السويدي [ الكونت برنادوت ] الذي قتله الصهاينة فيما بعد ليلة 22 / 23 أيار، بعد 39 ساعة من بدء القتال.

وسارع الحكام العرب إلى قبول وقف القتال، بعد اجتماع عاصف بين ممثلي الحكومات العربية، فقد هدد رئيس الوزراء المصري آنذاك[محمود فهمي النقراشي] بأن مصر سوف تعقد هدنة مع الصهاينة لوحدها إذا لم توافق بقية الدول العربية على ذلك.(3)

أما الملك عبد الله فقد أصرّ على قبول الهدنة، وهدد بقطع التموين عن الجيش العراقي إذا أصرّ العراق على عدم قبولها. (4)

أما الملك عبد العزيز آل سعود، فقد رفض قطع النفط عن الولايات المتحدة، بناء على طلب الجامعة العربية، وكان ذلك كفيلاً بأن يشكل أكبر ضغط عليها.

أما مواقف الحكومة السورية فقد كانت أكثر جرأة واندفاعاً، ولذلك وجدنا القوات الصهيونية ركز هجماتها على القوات السورية.
بدأت القوات الصهيونية تستعيد أنفاسها، وبدأت الأسلحة تنهال عليها من كل جانب، وجرى تنظيم وإعداد تلك القوات لجولة جديدة مع القوات العربية، وكان قبول الحكام العرب يمثل خيانة كبرى لمصالح الأمة العربية، ولقضية فلسطين، كما كان قرار مجلس الأمن أهم امتحان لمصداقية المهيمنين على مجلس الأمن، والذين تنكروا للميثاق الذي وضعوه هم أنفسهم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

لقد كان العراق يملك من القوات والأسلحة ما يكفيه وحده لتحطيم القوات الصهيونية، لكن الحكام المؤتمرون بأوامر الإمبريالية لم يكونوا جادين في حربهم.

أما الملك عبد الله فخيانته للقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى دليل، فقد كان يقدم للصهاينة النفط الذي كان يمر عبر أنبوب النفط العراقي إلى [حيفا] والتي وقعت بأيدي الصهاينة، حيث استمر بالتدفق ليستخدموا البترول في تسيير آلياتهم العسكرية، فقد وصف المؤرخ الأردني المعروف [سليمان موسى] موقف الملك عبد الله قائلاً :
{ كان الأردن حتى أوائل شهر أيار 1948 يحصل على ما يحتاج إليه من مشتقات النفط من مصفاة شركة بترول العراق في حيفا، وعندما سلمت بريطانيا، مدينة حيفا للصهاينة أصبحت المصفاة بأيديهم فأخذوا يستغلونها لسد حاجاتهم، ولذلك لم يكن الصهاينة بحاجة، أو أزمة فيما يختص الوقود بأنواعه، أما الأردن فقد استطاع الحصول على ما يحتاج من وقود من محطتي H3وH5، حيث ضخت الشركة 12 مليون غالون من كركوك إلى خزاناتها في المحطتين، ومنها أخذ الأردن حاجته من الوقود}، وهكذا اشتركت الحكومتان العراقية والأردنية في تزويد الصهاينة بالنفط الضروري لحركة آلياتهم العسكرية.(5)

استئناف القتال، والولايات المتحدة تفرض هدنة جديدة:
عندما أكره مجلس الأمن الدول العربية على وقف القتال قي فلسطين اعتباراً من 11 حزيران 1948 وعين الوسيط الدولي [ الكونت برنادوت ] لوضع حل سلمي للمشكلة الفلسطينية !!، كان أحد شروط الهدنة هو عدم استفادة أي طرف من الأطراف لتعزيز قواته، أو تحريكها.

لكن الحقيقة أن الصهاينة استفادوا من كل يوم، بل وكل ساعة لتعزيز مواقعهم، ولجلب الأسلحة والطائرات التي أخذت تنهال عليهم من الإمبرياليين الأمريكيين والإنكليز وغيرهم، فيما بقيت القوات العربية ملتزمة ببنود الهدنة، ولم تسعَ إلى تقوية مركزها، معتمدة على مصداقية مجلس الأمن!!.

لكن الدول العربية اضطرت في نهاية المطاف، وبعد أن وجدت التعزيزات العسكرية الصهيونية تجري ليل نهار، إلى استئناف القتال من جديد في 9 تموز، وفوجئت القوات العربية بأخذ القوات الصهيونية زمام المبادرة من أيديهم، وبدأت تهاجمهم بعنف، وخسرت القوات العربية [صفد] و[الناصرة] و[اللد] و[الرملة] والعديد من القرى العربية، وتشرد الألوف الجدد من أبناء الشعب الفلسطيني، تاركين ديارهم وأملاكهم وأموالهم، هرباً من المذابح الصهيونية.

أمريكا تفرض الهدنة من جديد وصدور قرار تقسيم فلسطين

وهكذا استطاعت الولايات المتحدة في نهاية المطاف أن تفرض على العرب هدنة جديدة في 18 تموز 1948، وتخاذل الحكام العرب، وقبلت أربعة دول عربية هي مصر والأردن والسعودية واليمن مبدأ التقسيم، فيما رفضت الحكومتان السورية والعراقية الهدنة. لكن الموافقة على القرار تم بالأكثرية وقبل العرب إجراء مفاوضات لعقد هدنة دائمة مع إسرائيل في [لوزان ] بسويسرا.

وقد استنكرت الأحزاب الوطنية في العراق قرار مجلس الأمن، وقبول الحكام العرب له، في بيان مشترك صدر عن الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال، وحزب الأحرار.
كما سيروا المظاهرات في بغداد يوم الجمعة المصادف 23 تموز 1948، احتجاجاً على قبول الهدنة، في حين أصدر الحزب الشيوعي بياناً يدعو فيه إلى وقف القتال، وسحب الجيوش العربية، والقبول بقرار مجلس الأمن، وكان ذلك الموقف استمراراً لمواقفه الخاطئة من القضية الفلسطينية، والتي أضرّت بالحزب وشعبيته ضرراً بليغاً. (6)

مصير القسم العربي من فلسطين:
بعد إعلان قبول الدول العربية بالهدنة الثانية، والقبول بتقسيم فلسطين، قدمت الحكومة المصرية اقتراحاً لجامعة الدول العربية يقضي بإعلان حكومة عموم فلسطين العربية، على أن يعّين [ احمد عرابي باشا ] حاكماً عليها، وقد أيد العراق الاقتراح المصري، وأيده فيما بعد كل من لبنان والسعودية واليمن، وعارضه الملك عبد الله الذي كانت بريطانيا قد وعدته أثناء زيارته الرسمية للندن في 21 شباط 1946 بضم القسم العربي من فلسطين إلى إمارته [ شرق الأردن ]، إذا ما حان الوقت لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود.
ولذلك جاءت معارضة الملك عبد الله ، والتي اتسمت بالشدة وهدد باتخاذ أشد الإجراءات الهادفة إلى إحباط الاقتراح المصري.(7)
ودبر الملك عبد الله، بالتعاون مع الإنكليز، ما سمي [مؤتمر أريحا ] والذي جاءوا له بعدد من الشخصيات الفلسطينية الموالية لبريطانيا وللملك عبد الله، ليقرروا ضم الجزء العربي من فلسطين إلى إمارة شرق الأردن، فيما خضع قطاع غزة للإدارة المصرية. (8)

وهكذا اختتمت المسرحية التي أخرجتها الإمبريالية الأمريكية والبريطانية ونفذها الحكام العرب، وكان ضحيتها ليس شعب فلسطين فحسب، بل الشعب العربي كله. فقد أصبحت إسرائيل مصدراً للعدوان والتوسع على حساب البلدان العربية، واضطرت هذه البلدان إلى خوض عدة حروب معها، وكانت إسرائيل توسع كيانها في كل مرة على حساب العرب، ناهيك عن أنهاك الاقتصاد العربي بسبب تلك الحروب، والتسلح المستمر منذُ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا.

أثارت تلك المؤامرة الكبرى نقمة الشعوب العربية على حكامها، وأدركت هذه الشعوب أن الداء هو في وجود هؤلاء الحكام على رأس السلطة، وأن لا سبيل لإصلاح الأمور إلا بتغيير الأوضاع فيها.

كما أن الجيوش العربية التي عادت إلى بلدانها، ومرارة الحزن والأسى بادية على وجوه الجنود والضباط المغلوبين على أمرهم قد أدركوا أن الحكام العرب هم أساس البلوى، فقد باعوا أنفسهم للإمبريالية، ونفذوا مخططاتها في المنطقة العربية، وكان من بين أولئك الضباط قائد ثورة 23 يوليو في مصر [جمال عبد الناصر] و قائد ثورة 14 تموز في العراق الزعيم [عبد الكريم قاسم].

لقد شهدت البلدان العربية بعد عام النكبة 1948 تغيرات كثيرة حيث اختفت رموز كثيرة من المسرح السياسي، فقد وقع انقلاب عسكري في سوريا في 30 آذار 1949 بقيادة [ حسني الزعيم]، وقتل الملك عبد الله في 20 تموز 1951، كما قتل رئيس وزراء مصر [ محمود فهمي النقراشي ]، وقتل رئيس وزراء لبنان [رياض الصلح] إثناء زيارته الرسمية إلى عمان في 16 تموز 1951.
أما في العراق فقد جرت المعارك في شوارع بغداد وسائر المدن العراقية بين السلطة والشعب، وتم إسقاط وزارة صالح جبر الموالي للإنكليز، ثم جاءت ثورة 23 يوليو في مصر، وتم إسقاط حكم الملك فاروق، أحد المسؤولين الكبار عن النكبة، كما وقع انقلاب عسكري في لبنان في 18 أيلول 1952 أطاح بالرئيس اللبناني [ بشارة الخوري]، وأخيراً تكلل نضال الشعب العراقي بالنجاح في ثورة 14 تموز 1958 التي أسقطت النظام الملكي الموالي للإنكليز.

تطورات درامية حول مصير فلسطين:

لعب الملك عبد الله، وقائد جيشه البريطاني [ كلوب باشا ] دوراً خيانيا مشهوداً، بعد أن تولى الاثنان قيادة الجيوش العربية في القاطعين الشمالي والشرقي من الجبهة.

فبعد أن أقّر رؤساء الأركان العرب في اجتماع [الزرقاء] خطة عسكرية فعالة لمجابهة القوات الصهيونية، أعترض عليها كلوب باشا واستبدلها بخطة جديدة، فقد أدرك كلوب أن تنفيذ تلك الخطة سوف يفشل المخطط الإمبريالي الصهيوني، وخطة الملك عبد الله الطامع في الأرض الفلسطينية، وكان بإمكان تلك الخطة القضاء على القوات الصهيونية، ولكن إقدام كلوب باشا على إبدالها أدى إلى الفشل الذريع للجيوش العربية، وبالتالي أصبحت إسرائيل حقيقة واقعة.

هذا على الجبهتين الشمالية والشرقية، أما على الجبهة الجنوبية التي حارب فيها الجيش المصري فكانت الخيانة أعظم، عندما جُهز الجيش المصري بالعتاد الفاسد، مما سبب كارثة للجيش، ومكّن القوات الصهيونية من محاصرته في الفالوجه، وإلحاق الخسائر الجسيمة به والاستيلاء على الفالوجة.

وعلى أثر تلك الأحداث الكارثية سافر رئيس الوزراء مزاحم الباجه جي، إلى القاهرة، والتقى زميله المصري [ محمود فهمي النقراشي ] وبحثا الأحوال بعد سقوط الفالوجة، وجرى الاتفاق على إرسال لواء عراقي آلي مع فوجين سوريين لمساعدة الجيش المصري وتم الاتفاق على موعد الهجوم على الفالوجة .(12)

ولما اطلع كلوب باشا على الخطة رفضها فوراً، وأعلن أن الجيش الأردني في منطقة القدس لن يسمح بمرور القوات العراقية والسورية، وبذلك أفشل كلوب باشا خطة رؤساء الأركان العرب لمساعدة الجيش المصري، والذي بقي يقاتل لوحده متحملاً ضغط القوات الصهيونية.(13)

وبانكشاف هذه المؤامرة الجديدة على القضية الفلسطينية، قامت المظاهرات العارمة في بغداد احتجاجاً على تخاذل الحكومة، وضلوع العرشين الهاشميين في تلك المؤامرة، وقد وقعت مصادمات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الشرطة، أصيب على أثرها أكثر من 200 من المواطنين بجراح، واعتقلت السلطات أعداد كبيرة أخرى منهم.

كما قام وفد من نواب المعارضة بمقابلة عبد الإله، ورئيس الوزراء مزاحم الباجه جي، بعد اجتماع عقده نواب المعارضة، وقدموا مذكرة باسم المعارضة لهما، وقد دعت المذكرة إلى عدم التزام العراق بالهدنة التي تنتهكها إسرائيل باستمرار، والعمل فوراً على تقديم العون العسكري للقوات المصرية التي بقيت تقاتل لوحدها، وقطع النفط عن الدول الإمبريالية التي تدعم العصابات الصهيونية، وإنذار بريطانيا بإلغاء معاهدة التحالف معها إذا ما استمرت في سياستها الحالية.

كما فضحت المذكرة الدور الخياني لحكومة الأردن، وحذرت من أن ترك مصر لوحدها سوف يؤدي إلى انهيار الجامعة العربية، وانعزال مصر عن القضايا العربية، وفقدان الأمل في قيام وحدة عربية.

وقد وقّع على المذكرة كل من السادة النواب : خميس الضاري ـ ذيبان الغبان ـ داؤد السعدي ـ عبد الرزاق الظاهر ـ محمد حديد ـ عبد الجبار الجومرد ـ عبد الكريم كنه ـ فائق السامرائي ـ إسماعيل الغانم ـ روفائيل بطي ـ عبد القادر العاني ـ نجيب الصايغ ـ عبد الرزاق الشيخلي ـ هاشم بركات ـ حسن عبد الرحمن ـ جعفر البدر ـ ريسان كاطع ـ مصلح النقشبندي ـ خدوري خدوري ـ جميل صادق ـ برهان الدين باش أعيان ـ عبد الرحمن الجليلي ـ محمد مهدي كبه ـ حسين جميل ـ أركان العبادي ، وقد قدم النواب صورة من هذه المذكرة إلى رئيسي مجلسي النواب والأعيان .
وبالنظر لتطور الأحداث بهذا الشكل المتسارع، وشدة الانتقادات التي وُجهت للحكومة، ولخطورة الموقف، لم يجد مزاحم الباجه جي أمامه من طريق سوى تقديم استقالة حكومته إلى الوصي في 6 كانون الثاني 1949، وتم قبول الاستقالة على الفور، وكلف الوصي رجل بريطانيا القوي في العراق نوري السعيد، لتأليف وزارته العاشرة في اليوم نفسه.

جاءت هذه الوزارة لتصفي آثار وثبة كانون المجيدة، وليسيطر نوري السعيد على الحكم سيطرة كاملة من جديد، ولينكل بالعناصر الوطنية بصورة عامة، والشيوعيين بصورة خاصة، وينتقم من كل العناصر البارزة، والتي كان لها دوراً فاعلاً في وثبة الشعب التي أطاحت بحكومة صالح جير والمعاهدة المشؤومة، وليكمل فصول المؤامرة الإمبريالية على فلسطين، بالتفاهم والتعاون مع الملك عبد الله وحكومته التي كانت برئاسة [توفيق أبو الهدى].

فقد وصل أبو الهدى بغداد في 25 نيسان 1949، واجتمع بالوصي عبد الإله وبنوري السعيد، وقد طلب أبو الهدى، بناء على توجيهات الملك عبد الله، سحب القوات العراقية من فلسطين، وبالفعل باشرت تلك القوات الانسحاب والعودة إلى العراق، حيث وصلت طلائعها مدينة الرمادي في 29 نيسان، وبلغت بغداد في الأول من أيار.

سيطر على أبناء الشعب وجوم وحزن شديدين، بسبب خيانة الحاكمين، وقد شكّل سحب القوات العراقية تحدياً سافراً لمشاعر الشعب الذي اعتبر قضية فلسطين قضيته الأولى المقدسة.

وحال انسحاب القوات العراقية من فلسطين، سلمت إلى قوات الملك عبد الله [مثلث جنين ـ نابلس ـ طول كرم]، فما كان من الملك عبد الله إلا أن سلم هذا المثلث للصهاينة، في 19 أيار 1949، بحجة أن ذلك من مقتضيات الهدنة المعقودة في [رودس] بين الأردن وإسرائيل، وبذلك أكمل نوري السعيد فصول المؤامرة على فلسطين بالتعاون والتنسيق مع العرش الهاشمي في شرق الأردن، والذي استحوذ على القسم العربي من فلسطين مشكلاً المملكة الأردنية الهاشمية، بتخطيط من الإمبريالية البريطانية والأمريكية. (14)
التوثيق:
(3) مذكرات محمد مهدي كبة ـ في صميم الإحداث ـ الصفحة 263.
(4) نفس المصدر.
(5) ت، و، ع ـ ج 8 ـ ص 94 .
(6) تاريخ الحزب الوطني الديمقراطي ـ د. فاضل حسين ـ ص 236
(7) ت، و ع، ـ الحسني ـ ج 8 ـ ص 36
(8) مذكرات توفيق السويدي ـ ص 486 .
(9) ت، و، ع ن ـ الحسني ـ ج 7 ـ ص 315 .
(10) المصدر السابق ـ ج 8 ـ ص 17
(11) مذكرات توفيق السويدي ـ ص 486.
(12) ت،و،ع، ـ الحسني ـ ج8،ص 45 .
(13)ـ ت، و، ع ت الحسني ـ ج 8 ـ ص 53 .



 
 
 
© 2007 irak-k-k.org All rights reserved

Designed by Computer2004.nl
Hosted by Nouras