Svenska


أمسية سينمائية للمخرج سعد سلمان
أديسون هيدو

أستضاف البيت الثقافي العراقي وجمعية المرأة العراقية في مدينة كوتنبيرغ السويدية يوم السبت الموافق 25 / 11 / 2006 ضمن برنامجها الثقافي الغزير بالنشاطات والفعاليات الثقافية والتي عودتنا دائما بأن نلتقي بالوجوه العراقية المثقفة المغتربة في المنافي .. أستضافت المخرج العراقي المغترب سعد سلمان في أمسية سينمائية جميلة تم فيها الحديث عن حياة الفنان وسيرته الفنية وعن فيلمه الجديد ( دَردَمات ) .


كانت البداية بصرخة أطلقها الفنان لطيف صالح الذي أدار جلسة الحوار وقدم المخرج بطريقة مسرحية بارعة وهتف من بين جموع الحاضرين ...

( أنا الممثل أعطيت للكلمة حقها ... أنا الممثل أعطيت الشعر فحواه .. أنا الممثل أيقظت الليل وسرقت النهار ... أنا الممثل الذي قلد الطير وحلق بجناحيه ..

من لي بالمخرج الذي يعطي للنهر هديره ويسكنه بين جناحاي ؟
مخرج يهدي الصورة دربها ويفتح باب النور
أنا بحر هائج والمخرج روض هيجاني
أنا الممثل قد أعطى وأعطى ولكن بعدها هو الذي أعطاني )

اسلوب جميل في التقديم أستهل به الفنان صالح حديثه ليقدم الى الجمهور المخرج سعد سلمان

حيث قال ( السينما سلاح خطير في صراعات عصرنا بأعتبارها دائما قضية تمثل طبيعة المؤسسة أو الفريق أو الدولة التي تقف خلفها .. أي بمعنى انها تطرح فكر كل من يقف ورائها وتوجهه أيديولوجيتها .. فأذا كان وراء الكاميرا هذه سلطة أو دولة فهناك في الجانب الآخر أفرادا أو فردا واحدا يمثل فكرا أنسانيا ويكشف عن الحقيقة هنا وهناك ويسموا بألأنسان ويرتقي به لمستقبل أفضل ... لهذا فأن بيننا الآن فنانا مخرجا مبدعا صابرا ولنقل مثابرا بسيطا وقف مع هذا الفكر الأنساني وبذل جهدا بعد جهد ليقدم لنا خلاصة فكره ومعاناته من خلال هذه الأفلام )


ولد الفنان سعد سلمان عام 1950 في بغداد ..

في عام 1969 حصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة وأصبح مخرجا في التلفزيون العراقي ..

هاجر العراق في نفس العام وحثه الحنين الى الرجوع فقضى عاما في سجن قصر النهاية عام 1972 في 1974 غادر العراق مرة ثانية وعاش في بيروت حيث عمل في الصحافة والسينما ... دفعته مناخات الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976 الى الرحيل وهذه المرة الى العاصمة الفرنسية باريس حيث يقيم ..

من أهم أفلامه ....

ــ بسبب الظروف             1982 
ــ كان ياما كان .. بيؤوت ... 1984
ــ رامبو , ساعات الهروب ... 1990
ــ الطريق ... 1993
ــ تنويعات على الحجاب .... 1994
ــ فيزا الى الفردوس ... 1996
ــ المحاكمة ... 1999
ــ وفيلمه المثير بغداد ـ أون أوف ... 2002

الذي حاز على عدة جوائز سينمائية عالمية منها ... مهرجان نيويورك الدولي ... مهرجان لوس أنجلس في هوليوود ومهرجان السينما العالمية في باريس .. ومهرجان أمستردام للسينما الوثائقية والذي أدرج في مؤتمر منظمة العفو الدولية على أن يكون ألأفتتاح به ... ولكنه رُفض في كل المهرجانات العربية كقرطاج والقاهرة ...

أما فيلم ( دَردَمات ) آخر أفلام سعد سلمان .. فهو فيلم جميل يعكس حالة ونفسية مخرجه الذي عاش الغربة بحذافيرها ومعاناتها وألمها طيلة أربعة وعشرون عاما .. ونجح بكاميرا بسيطة وأدوات بسيطة في أنتاج فيلم حديث رسم فيه جوانب من صورة العراق الجديد ( عراق ما بعد صدام ) وأثبت فيه بأن السينما العراقية الآن هي سفيرة للقضية وللشعب العراقي الذي زرع فيها نظام البعث المؤثرات السلبية وأدلج فيها الخطاب السينمائي لتمجيد الدكتاتور بعد أن أذلها وأهانها وصارت بضاعة كاسدة أُركِنَت على الرفوف العالية بعد أنتهاء الحدث وصار السينمائيون العراقييون لاجئين في بلدان المنافي والمهاجر .

لم أجد تحليلا أجمل عن الفيلم مثل تحليل الناقد السينمائي المصري الشهير صلاح هاشم فكتب يقول عنه ( دَردَمات وتعني باللهجة العراقية همسات .. من أجمل الأفلام العربية التي شاهدتها حديثا و الذي أعتبره فاتحة في السينما العراقية ونقلة نوعية وفنية مهمة وقطيعة مع السينما الروائية العربية التي هلكتنا بأفلامها الركيكة التافهة وثرثراتها المملة المكررة المعادة .. ويطرح بعض سمات سينما المستقبل الجديدة في صنع صورة تشبهنا ويحفر لمسارات سينمائية جديدة )

 يحكي “ دردمات “ عن ثنائية الموت والحياة، الخير والشر، السكون والحركة، الظلام والنور، الفعل واللافعل، ويضعنا بموضوعه وتوهجه الفني في قلب محنة الإنسان العراقي اليوم، ومأساة شعب وأمة، ومن خلال “ دردمات “ التي هي تمتمات، ووشوشات، ووسوسات ايضا اقرب ما تكون الى همس الجنون, ينسج “ مرثية “ للحاضر المشوش، وذاكرة وماضي العراق، وكل تلك الأشياء التي احترقت في وضح النهار. مرثية تطرح من خلال الفيلم العديد من التساؤلات الفلسفية والوجودية المهمة. مرثية للكيانات المنسلخة التي لا تجد لها ذكرا، لا في سجلات الأحياء والموتى والمفقودين, وتدعونا إلي قراءة متمهلة على ركام أنقاض الحاضر العراقي، وعبثيته...

يصدمنا “دردمات “ للوهلة الأولي بفكرة موضوعه، التي يوظف لها سعد سلمان فترة الحبس الطويلة التي قضاها في سجون بلده العراق, ويكرس للفيلم كل تلك الخبرات الفنية والسينمائية العديدة التي اكتسبها في غربته ( أكثر من ربع قرن في المنفي الباريسي ) ، وبدلا كما في جل الأفلام الأولى ، بدلا من أن يحكي لنا عن ذكريات طفولته، وحنينه إلى سعادة تلك الأيام التي انقضت، يقدم لنا فيلما لا يقول فيه من فضلكم أحبوني، بل يقول فقط من فضلكم افهموني، أي يكرس فيلمه، ومنذ أول لقطة في الفيلم، لأن يكون “ أداة تفكير “ في مشاكل الواقع العراقي الآن وتناقضاته، بعد دخول القوات الأمريكية إلى العراق، ويتساءل عن حال بغداد وأناسها، ويجعلنا نأسى معه على عراقه، الذي اختفي فجأة من الوجود، والحاضر المجهول..

يحكي سعد سلمان في فيلمه ذاك الأثير, ويدردم ، فيرسم صورة للإنسان العراقي تحت وفوق الأرض، الجلاد والضحية ، ثم يخرجهما من تحت الأرض, ويسير معهما في شوارع المدينة ويتفرج على ذاكرة الخراب ويدردن على إطلاله بحزن واسي تنفطر لهما اعتي القلوب غلظة..

يحكي سعد سلمان عن عراق اليوم، العراق الذي نجهله، ولا يرحم أحدا في انتقاداته، ولا من سخريته التهكمية, ولا يقبل أن يساوم أو حتى يرحم نفسه.فيرسم صورة بالغة القسوة للعراق، كما في مسرحية لبيكيت او بانجيه أو يونسكو من كتاب مسرح العبث، تصدمنا برعبها، تحت وفوق الأرض. صورة للعراق الجديد الوليد، تحت جسر حجري يعبر نهر دجلة, ويقينا سوف تجد سعد سلمان هناك على حافة النهر ، وقد راح يدندن أغنية حزينة مع النهر عن أناس بلا أوطان في الوطن, من غربتهم حتى تحت جلودهم في الوطن الأصلي، ويشكو لحبيب..

انه الوطن ألان .. انه العراق مقبرة الأحياء )

في “ دردمات “ نري أشياء كثيرة من ذلك. نري كيف استطاع سعد سلمان أن يصنع فيلما كبيرا بإمكانيات متواضعة، وفي ورشة العمل والصياغة الفنية حقق عدة انجازات وابتكارات تكشف عن مخيلة سينمائية مبدعة. يظهر ذلك من خلال “ الحلول “ الفنية التي ابتكرها على مستوى جماليات الشكل، في محاولته الإجابة علي سؤال فني عويص: كيف يتوفر لأحد صناعة وإخراج فيلم روائي داخل سرداب, وكيف يحل مشكلة المكان داخل زنزانة الحبس ؟. تكون الإجابة بابتكارات الفن المدهشة، ومن ضمنها اشتغال سعد في “ دردمات “ على شريط الصوت، واعتماده على ممثلين غير محترفين في الفيلم..

وكلها ابتكارات تمثل “ قطيعة “، مع منجزات السينما القديمة التقليدية التجارية وأساليبها..

تحية إلى سعد سلمان على فيلمه الجميل ولعله يكون “ فاتحة “ سينما عراقية روائية جديدة

تنهض من قلب الدمار والنار واللهب مثل العنقاء وتولد من جديد.سينما مهمة وضرورية، إذ تستلهم من تاريخنا وذاكرتنا, وتوظف السينما كأداة تساؤل، واستكشاف متجدد دوما للحاضر.

سينما لا تكتفي بان تكتب علي الجداران.... عاش العراق الجديد، بل تقوم تنهض وتساهم في بنائه..

وعندئذ فقط سوف ينتهي ليل العراق الطويل، بضياعه.. ومأساته.. وحزنه. )

بعد عرض الفيلم أمتدت ألأمسية الى ساعة متأخرة من ذلك المساء الجميل والتي تخللتها الكثير من الأسئلة والأفكار وألأنتقادات الفنية بين الجمهور وألمخرج أغنتها بشكل مثمر وجميل .

 
 
 
© 2007 irak-k-k.org All rights reserved

Designed by Computer2004.nl
Hosted by Nouras