Svenska


أطفال يتسولون وآخرون يبحثون في المزابل عن لقمة العيش في مدينة تطفو على بحر من الذهب الأسود
30/08/2008
 
نيوزماتيك/ كركوك


لم يعد مشهد الأطفال المتسولين والعاملين في شوارع المدن العراقية غريبا، بل صار جزءا من الأجزاء "الاعتيادية" العديدة في الشارع العراقي الآن.

هذه الظاهرة الخطيرة التي تجتاح أغلب مدن العراق، موجودة كذلك في كركوك، ويزداد حجم ظهورها يوما بعد آخر، ما لم تقم الجهات المسؤولة عن حماية الطفولة بإجراءات سريعة لمعالجة هذا الخطر.

ولكي يتم الكشف عن حقيقة هذا الواقع الصعب ووضعه في إطار واضح وأمام الأنظار، ومعرفة الأسباب والدوافع التي أدت إليه كانت هذه اللقاءات...

إحدى هذه الحالات وهو الصبي مصطفى عبود محمد، تسعة أعوام، قال لنا في حديث لـ"نيوزماتيك"، "أنهض في ساعة مبكرة من الصباح يوميا، بعد أن أتريك (أفطر") ثم أتوجه حاملا كونية (كيس خيش) إلى الشوارع وأتجول في أحياء مدينة كركوك، باحثا عن رزقي المتوفر بكثرة بين الأزبال وأكوام القاذورات"، حسب تعبيره.

وأضاف محمد "كل ما أبحث عنه هو عن قواطي البيبسي الفارغة والعلب الخاصة بالمشروبات الأخرى، من أجل بيعها في سوق الجملة للتجار".



وردا على سؤال حول المردود المادي وسبب اختيار هذا العمل دون غيره أجاب محمد "حاولت أن أبحث عن عمل لكن عمري الصغير لا يشجع أصحاب المحال التجارية على تشغيلي، أما هذه المهنة فسهلة إلا أن مردودها قليل".

وأوضح محمد أن "ما أحصل عليه يوميا غير ثابت، وحسب الشغل فكيلو العلب يباع بسعر ألف دينار وأنا استطيع جمع ثلاثة كيلوات أو أكثر، وفي بعض الأحيان أجمع كميات من النحاس والفافون(الألمنيوم) وهذا ثمنه أفضل من ثمن العلب إذ أن سعر النحاس والفافون يتراوح في السوق بين "4-6" آلاف دينار ونحن نبحث عنها في المنطقة الصناعية وقرب المعامل المنتشرة في جنوبي كركوك إلى جانب البحث في الأزبال حين أجد أن كميتها جيدة".

وأضاف الطفل "وبعد أن نقوم بجولة من الساعة السابعة صباحا وحتى العصر من كل يوم في أحياء ومناطق كركوك نعود إلى السوق الرئيسي لبيعها على أصحاب الجملة الذين يشترون ما نجمع من مختلف الأشياء القواطي، والنحاس، والفافون".

والتقينا بطفلتين اتخذتا من طريق شارع أطلس في سوق كركوك الرئيسي مكانا للتسول، وكانتا تلبسان ملابس رثة وهما شقيقتان تبلغ الصغيرة من العمر خمس سنوات وتدعى شيرين أما الكبرى فيبلغ عمرها سبع سنوات وتدعى مريم.

وقالت مريم "نحن تسعة أخوة نعمل لجلب النقود لأمي المتسولة أيضا، ولكن في موقع آخر". وعن أمنياتها أجابت وهي تبكي "أتمنى أن أصبح مثل بقية أطفال العالم وألبس الصدرية الجديدة واحمل الجنطة (الحقيبة المدرسية)، وأتوجه إلى المدرسة كبقية الأطفال الذين نراهم حين يذهبون إلى مدارسهم".



وأضافت الطفلة "لكن ماذا أقول سوى الله كريم ونحن هنا في الشارع نحاول كسب عطف الناس والدعاء لهم لكسب مبلغ 250 دينارا، وفي نهاية اليوم نجمع ما نحصل عليه ونسلمه إلى أمي، وهي الأخرى لديها طفل صغير تستجدي به في سوق شارع أطلس، وهكذا"، ثم قالت "نحن عائلة متسولة، وأبي وأمي هما اللذان جعلونا في ظروف قاسية كهذه".

وقال فاضل عبد الرحمن صاحب متجر في سوق كركوك الرئيسي في حديث لـ"نيوزماتيك"، إن "انتشار ظاهرة الأطفال المتسولين والذين يعملون في مهن مختلفة آخذة بالازدياد في معظم الأسواق والمحال الصناعية في كركوك وأنا لدي نموذجان من هؤلاء إذ يشتغل في محلي صبيان يبلغ عمر الأول 13 سنة، والثاني عشر سنوات".

وأكد عبد الرحمن أنه "لا يستغل طفولتهم التي هم في حاجة لها لكسب لقمة العيش، فأنا أكلفهم بقضاء بعض الأعمال الخفيفة الخاصة بعملي، علما أنهم يعملون من الساعة الثامنة وحتى الساعة الخامسة مساء بمبلغ يصل إلى سبعة آلاف دينار، فضلا عن مساعدتهم ماليا في أمور أخرى، لأنهم من أبناء العائلات المهجرة نتيجة العنف الطائفي في بغداد"، حسب قوله.

وقال الباحث والمشرف التربوي عادل طالب لـ"نيوزماتيك"، إن "ظاهرة التسول والعمالة مشكلة اجتماعية باتت تشكل خطرا حقيقيا على المجتمع العراقي، لأن الحكومة العراقية لم تعمل بشكل حقيقي على حل مسألة التسول وعمالة الأطفال في عموم العراق".

وأرجع طالب الأسباب التي تقف وراء التسول في شوارع كركوك وعمالة الأطفال فيها إلى عوامل كثيرة منها الاجتماعية والأسرية ومنها ما يرتبط بالطفل نفسه والظروف الاجتماعية المحيطة به.

وأشار طالب إلى أن "العائلات التي تلجأ إلى تشغيل أطفالها تسهم في انحراف الطفل، إذ يبدأ بالاعتماد على نفسه في توفير النقود ضمن محيط من أصدقاء السوء فيؤدي ذلك إلى انحرافه"، لافتا إلى أن "الابتعاد عن المدرسة يؤدي إلى خلق جيل أمي لا يفقه من العلم والمعارف الاجتماعية والحياتية شيئا، وما سينجم عن ذلك من خلق جيل أمي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا هو الخطر الحقيقي الذي نراه نحن كتربويين في مدينة كركوك".

وتابع طالب حديثه قائلا "أما الشكل الآخر لاستغلال الأطفال، فيتمثل بهؤلاء الذين نراهم في الأسواق والذين هم ضحايا انتسابهم لعائلات تمتهن التسول وتصنع الأطفال المتسولين"، وكشف الباحث عن قيامه "بمسح ميداني قبل فترة وجد فيه أن 35% من المتسولين الذين يقودون العائلات المتسولة يأتون من خارج كركوك، ويسكنون في فنادق تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة".

وأضاف "وهذه الظاهرة موجودة على مرأى من الجميع، ونجدها في منطقة رأس الجسر في سوق كركوك الرئيسي، حيث ينتشر المتسولون والأطفال الذين يعملون، وبعضهم ممن هرب من بيته بحثا عن ملاذ يجد فيه المال وعدم المحاسبة"، ووصف هذه الحالة بأنها "كارثة حقيقية على وضع الأطفال الاجتماعي في العراق".

 
 
 
© 2007 irak-k-k.org All rights reserved

Designed by Computer2004.nl
Hosted by Nouras